أحمد الشرباصي

243

موسوعة اخلاق القرآن

ولقد ورد في إيضاح ما يسارع إليه هؤلاء أقوال ، فقيل : سارعوا إلى اجتناب معاصي اللّه ، وقيل : سارعوا إلى الاسلام ، وقيل : سارعوا إلى أداء الفرائض ، وقيل : سارعوا إلى الهجرة ، وقيل : سارعوا إلى التكبيرة الأولى ، وقيل : سارعوا إلى أداء الطاعات ، وقيل : سارعوا إلى الصلوات ، وقيل : سارعوا إلى الجهاد ، وقيل : سارعوا إلى التوبة . . . هذه أقوال تقارب العشرة ، وقد يكون هناك غيرها في تضاعيف التفاسير العديدة ، وأكاد أفهم - واللّه أعلم بمراده - أن هذه الأقوال قد ذكرت ألوانا من مواطن المسارعة ، والمفهوم العام للمسارعة يضمها ويشملها ، ولذلك أميل إلى ما رواه النيسابوري في « غرائب القرآن » ونسبه إلى عكرمة ، وهو قوله : « ليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الاسلام ، والإتيان بجميع الطاعات ، والاجتناب لكل المنهيات » فكأن الأمر بالمسارعة في الآية الكريمة هو دعوة إلى التحلي بفضيلة المسارعة إلى الخير ، على الدوام وفي كل الأحوال . ويقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء : « وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ، إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ » . ومعنى المسارعة هنا - كما ذكر المفسرون - أنهم كانوا يبادرون إلى الخيرات طاعة للّه ، ويعملون ما يقرّبهم إلى اللّه ، والمسارعة في طاعة اللّه - كما يذكر الرازي - من أكبر ما يمدح به المرء ، لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة ، ولذلك أكرم اللّه جل جلاله هؤلاء المسارعين في الخيرات ، فاستجاب لهم ، وحقق ما أرادوه ورغبوا فيه ، ووهب لزكريا الولد بعد طول سنين ، وأصلح له أمر زوجته ، وهذا فضل عميم من صاحب الفضل العظيم ، يذكّر كلّ مؤمن بأنه إذا أخلص في المسارعة إلى الخير لوجه اللّه أوسع له العطاء والجزاء . ومما يؤكد هذا الفهم ويزكيه أننا نجد القرآن الكريم يقول في سورة